أبي منصور الماتريدي

555

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أخبر أنه يجنب النار عن الأتقى ويقيه عنها . ثم فيه دلالة أنه إنما يجنبها ويقيها بالأعمال التي يعملها ؛ فدل أن لله - تعالى - في أفعالهم صنعا « 1 » ، حيث أضاف الوقاية إليه والتجنب عنها ، وهو كقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [ البقرة : 201 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى . إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى . أي : ما لأحد عند الله تعالى من نعمة يجزى بها ولا بد [ أن ] يستحق الثواب بها ، لكن إذا أدى نعمة من نعم الله - تعالى - التي أعطاها إياه لغيره ؛ ابتغاء وجهه ، وطلب رضاه - يجزيه بفضله ؛ كأنه كانت له عنده نعمة يجزى بها . والثاني : يحتمل أن هذا صلة قوله : يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ، أي : يتصدق ويتزكى ؛ لابتغاء وجه الله - تعالى - على من ليس عنده نعمة ويد يجازيه بها وينفق عليه جزاء لصنيع قد سبق منه في حقه ؛ كأنه يقول : لا يعطي الزكاة أحدا عن مجازاة [ لما ] سبق منه إليه من نعمة ؛ إنما أعطاها له لا مجازاة ، ولكن لله تعالى خالصا . وفيه دليل ألا يعطي الرجل زكاة ماله من عنده له نعمة أو منة ؛ لأنه « 2 » يخرج ذلك مخرج الإعطاء ببدل . وقوله - عزّ وجل - : وَلَسَوْفَ يَرْضى ، أي : يرضى بالذي يجزى به ، ويساق إليه من الثواب . وحرف ال « سوف » وال « عسى » من الله تعالى واجب ؛ كأنه يقول : يعطيه حتى يرضى . وقال بعضهم : نزلت هذه الآية - وهي قوله عزّ وجل : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى - في أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه « 3 » . وقال بعضهم : هذه الآية نزلت في أبي الدحداح - رضي الله عنه - طلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم منه نخلة - إلى آخر القصة . وقال بعض أهل الأدب : تردى في النار ، أي : سقط ، ويقال : تردى : تفعل ، من الردى ، وهو الهلاك ، [ و ] إِذا تَجَلَّى [ الليل : 2 ] : إذا بدا ، واليسرى من التيسير ، والعسرى من التعسير ، والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : صنيعا . ( 2 ) في ب : لا . ( 3 ) أخرجه البزار ، وابن جرير ( 37490 ) ، وابن المنذر ، والطبراني ، وابن عدي ، وابن مردويه ، وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه كما في الدر المنثور ( 6 / 607 ) .